ابن أبي الحديد

76

شرح نهج البلاغة

فإن قلت : فهل يجوز أن يكون قوله : " وإن تغيرت " من جملة قوله فيما بعد " فإن الشقي " كما تقول إن خالفتني فإن الشقي من يخالف الحق . قلت : نعم ، والأول أحسن ، لأنه أدخل في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كأنه يقول : " أنا أفي وإن كنت لا تفي ، والايجاب يحسنه السلب الواقع في مقابلته : * والضد يظهر حسنه الضد * ثم قال : " وإني لأعبد " أي آنف ، من عبد بالكسر أي أنف ، وفسروا قوله : ( فأنا أول العابدين ) ( 1 ) بذلك ، يقول : إني لآنف من أن يقول غيري قولا باطلا ، فكيف لا آنف أنا من ذلك لنفسي ! ثم تختلف الروايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا . ثم قال : " فدع عنك ما لا تعرف " أي لا تبن أمرك إلا على اليقين والعلم القطعي ، ولا تصغ إلى أقوال الوشاة ونقلة الحديث ، فإن الكذب يخالط أقوالهم كثيرا ، فلا تصدق ما عساه يبلغك عنى شرار الناس ، فإنهم سراع إلى أقاويل السوء ، ولقد أحسن القائل فيهم : إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا * شرا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا ونحو قول الاخر : إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * وإن ذكرت بخير عندهم دفنوا ( 2 )

--> ( 1 ) سورة الزخرف 81 . ( 2 ) لقعنب بن أم صاحب ، مختارات ابن الشجري 1 : 7 .